زياد عرار
رحمه الله وأسكنه فسيح جناته
نبذة
الدكتور زياد عرار - أمضى كل عمره في خدمة المرضى - وكان مثالا للطبيب الانسان
الرثاء
رحل غريبًا عن وطنه… وبقي عزيزًا في قلوب من عرفوه
في رثاء طبيبٍ جعل من إنسانيته وطنًا، ومن مهنته رسالة، ومن أخلاقه سفارةً لأمّته.
ليس كل من عاش بعيدًا عن وطنه غريبًا، وليس كل من رحل عن الدنيا يغيب أثره عن الناس.
هناك رجالٌ إذا رحلوا، أدركنا أن الأوطان لا تُقاس بحدود الجغرافيا وحدها، بل بما يزرعه الإنسان من محبة في القلوب، وما يتركه من خير في حياة الآخرين.
هكذا كان فقيدنا الدكتور، الذي حمل علمه وقيمه وأخلاقه من أرضه العربية إلى إيطاليا، فعاش بين أهلها طبيبًا يُداوي الأجساد، وإنسانًا يُواسي الأرواح، ورجلًا يُجسّد بأفعاله أسمى معاني النبل والرحمة.
لم يكن سفيرًا يحمل أوراق اعتماد، ولا ممثلًا رسميًا لوطنه، لكنه كان سفيرًا للعرب بأخلاقه، ولحضارتهم بإنسانيته، ولأصالة تربيته بما تركه من أثر في نفوس الناس.
لقد أمضى عمره في خدمة الآخرين، ولم يسأل يومًا عن لغة المريض أو دينه أو أصله، بل رأى في كل إنسان يتألم أمانةً تستحق الرعاية، وفي كل محتاج إلى العون واجبًا لا ينتظر جزاءً ولا شكرًا.
وحين جاء يوم الرحيل، لم تبكه أسرته وأحباؤه وحدهم، بل بكته القرية الإيطالية التي عاش بين أهلها، وشاركهم أيامهم وأوجاعهم وآمالهم، حتى أصبح واحدًا منهم.
وما أعظم أن يرحل الإنسان في أرضٍ غير أرضه، فيبكيه أهلها كما يبكون واحدًا من أبنائهم.
تلك ليست غربة، بل شهادة محبة. وليست مجرد دموع وداع، بل اعتراف صادق بأن هذا الرجل ترك في تلك الأرض شيئًا من روحه، وفي قلوب أهلها شيئًا من طيب أصله.
رحل بعيدًا عن تراب وطنه، لكنه لم يرحل بعيدًا عن قيمه وجذوره. حمل وطنه في قلبه، وحمل أخلاق أهله في سلوكه، فكان حضوره تعريفًا صامتًا بمن يكون العربي حين يجتمع فيه العلم والتواضع والمروءة.
ولعل أجمل ما يُقال في وداعه أنه لم يحتج إلى أن يتحدث كثيرًا عن أصالة قومه، فقد تحدثت أخلاقه عنهم، وشهدت له أعماله، ونطقت بمحبتهم له قلوبُ الذين عرفوه.
لقد انتهت رحلة الطبيب، لكن رسالة الإنسان لم تنتهِ. فما زالت في تلك القرية وجوهٌ تذكر ابتسامته، وقلوبٌ تحفظ معروفه، وأناسٌ سيُخبرون أبناءهم يومًا عن طبيبٍ عربي عاش بينهم، فأحسن إليهم، وأحبّوه، ثم رحل فحزنوا لفراقه.
وهكذا يُكتب الخلود الحقيقي للإنسان؛ لا بطول السنين التي عاشها، بل بعمق الأثر الذي تركه.
رحمك الله أيها الطبيب النبيل.
لقد عشت بعيدًا عن وطنك، لكنك جعلت من القلوب وطنًا لك. ورحلت عن الدنيا، لكنك تركت سيرةً ترفع الرأس، وذكرى تُشرّف أهلك وقومك، وشهادةً إنسانيةً بأن الخير لا يحتاج إلى ترجمان، وأن الأخلاق لغةٌ يفهمها جميع البشر.
رحمك الله رحمةً واسعة، وجعل ما بذلته من علمٍ ورحمةٍ وخدمةٍ للناس في ميزان حسناتك.
سلامٌ على روحك، وسلامٌ على سيرةٍ طيبةٍ عبرت الحدود، وسلامٌ على رجلٍ مات بعيدًا عن وطنه، لكنه لم يمت غريبًا في قلوب الناس.